مؤيد الدين الجندي

343

شرح فصوص الحكم

قال - رضي الله عنه - : « وقال في الملائكة : * ( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ ) * « 1 » فجعل العلوّ للملائكة ، فلو كان لكونهم ملائكة ، لدخلت الملائكة كلَّهم في هذا العلوّ ، فلمّا لم يعمّ - مع اشتراكهم في حدّ الملائكة - عرفنا أنّ هذا علوّ المكانة عند الله . وكذلك الخلفاء من الناس لو كان علوّهم بالخلافة علوّا ذاتيا ، لكان لكل إنسان ، فلمّا لم يعمّ ، عرفنا أنّ ذلك العلوّ للمكانة » . يعني - رضي الله عنه - : أنّ علوّ الكمّل والملائكة العالين من حيث المكانة ، إذ لو كان العلوّ لهم بالذات ، لاشترك كلّ إنسان في ذلك ، بل ذلك الإنسان موصوف بالخلافة الحقيقية الكمالية لا غير وذلك علوّ مرتبيّ ، وكذلك الملائكة العالون مع اشتراكهم في العلوّ المكاني الذي لملائكة الرحمن معهم من حيث كونهم في المكان العرشي ، فلهم علوّ المكانة من حيث لم يؤمروا بالسجود ، فهم أعلون من أن يؤمروا بالسجود ، لهيمانهم في الحق ، وغيبوبتهم عن غيره ، وفنائهم فيه عنه وعمّا يسمّى سوى الحق ، فهم لا يعرفون أنفسهم ولا يعرفون أنّ الله خلق آدم . قال - رضي الله عنه - : « ومن أسمائه الحسنى « العليّ » . عمّن « 2 » وما ثمّ إلَّا هو ؟ فهو العليّ لذاته . أو عمّا ذا وما هو إلَّا هو ؟ فعلوّه لنفسه ، وهو من حيث الوجود عين الموجودات ، فالمسمّى محدثات هي العليّة لذاتها ، وليست إلَّا هو ، فهو العليّ لا علوّ إضافة ، لأنّ الأعيان التي لها العدم [ الثابتة فيه ] ما شمّت « 3 » رائحة الوجود ، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات . والعين واحدة من المجموع في المجموع [ فوجود الكثرة في الأسماء ، وهي النسب ، وهي أمور عدمية ، وليس إلَّا العين الذي هو الذات ، فهو العليّ لذاته « 4 » لا بالإضافة ] » . قال العبد : لمّا فرغ - رضي الله عنه - من ذكر العلوّ النسبي والإضافي ، أخذ في بيان

--> « 1 » ص ( 38 ) الآية 75 . « 2 » في بعض النسخ : على من . « 3 » في بعض النسخ : ما شمّت رائحة من الموجود . وفي بعضها : رائحة من الوجود . « 4 » في بعض النسخ : لنفسه . وفي بعضها : بنفسه .